موقع الكاتب والمفكر المغربي عباس أرحيلة
من العلم أن تعلم أنك لا تعلم
رسالة من الأستاذ عبد الرحمن المتقي

         

فأستغل هذه العطلة لأجلس إليكم جلسة خفيفة تليق بزمن الراحة. أعرف أن راحة المثقف فوق راحته، و ألا وجود لها إلا بين الأوراق وتحت نقع الحروف. أبحث عما أسعدكم به في زمن الاستراحة.فيقع بين يدي كتاب ( الشرح الكبير) للشيخ الإمام البارع النحوي اللغوي، القاضي الأديب جمال الدين محمد بحرق الحميري الحضرمي الشافعي الشهير، المتوفى سنة 930هـ. وقد عني بتصحيحه عبد الرحمن حجي أستاذ الأدب العربي بمدرسة مولاي يوسف الثانوية بالرباط ـ مطبعة الثقافة بسلا ـ 1939 م.( نقلا من الغلاف الخارجي)

ولأني أعرف ولعكم بالمقدمات، اخترت أن أشرككم في قراءة هذه السطور من مقدمة هذا الكتاب اللغوي. بقول صاحب الكتاب:

«الحمد لله المتصرف قبل علة التصريف، المتعرف بغير آلة التعريف، الذي ألف الأشياء أحسن تأليف، وحمل الإنسان أمانة التكليف، وشرف العلم وأهله أكمل تشريف.أحمده على نعمه وأفضاله، حمدا يليق بكرم وجهه و عز جلاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ذاته  وصفاته و أفعاله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي من الله على عباده بإرساله، وجعل العربية الفصحى لسان مقاله.صلى الله عليه وعلى أصحابه و أتباعه و آله، صلاة دائمة بدوامه كاملة بكماله، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، فإن علم العربية في الدين بالمحل الأعلى، والمقام الأعز الأسنى؛.إذ هو السلم الذي يرتقى به إلى فهم الخطاب، والقنطرة التي عليها المجاز إلى معرفة السنة والكتاب. على ذلك أجمع أهل العلم سلفا وخلفا،  وتقربوا إلى الله بطلبها زلفى، وشرطوها في صحة الإمامة العظمى فما دونها من الولايات، و أعدوها من أهم فروض الكفابات، و اعتنوا قديما وحديثا بحفظ أشعار العرب ونثرهم، وغير ذلك من خطبهم و أسجاعهم و أمرهم. ولقد كان أحدهم يطوي المفاوز في تحصيل كلمة أو تفسيرها، ليفوز بفهم تصويرها وتقريرها. ثم لما فترت في هذا الأوان همم أبناء الزمان، وأعرضوا عن هذا المهم العظيم الشان، حاولت اختصار مقاصدها، و الاقتصار على المهم من فوائدها، لأضرب بين أربابها بسهم مصيب، وأفوز في الدعوة إليها بحظ ونصيب، فوفقني الله تعالى ـ وله الحمد ـ أن شرحت القصيدة اللامية المسماة بلامية الأفعال في علم التصريف للإمام جمال الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك رحمه الله تعالى.فضبطت ألفاظها، و فتحت مقفلها، و حللت مشكلها، و كثرت أمثلتها، ونبهت على كثرة معانيها، وطابقت به ما أشار إليه ناظمها بقوله فيها:

وبعد، فالفعل من يحكم تصرفه     يُحُزْ  من اللغة الأبواب والسبلا

 و ضممت إلى ذلك فوائد و إشارات وتتمات وتنبيهات، و اخترعت لها تقسيمات، فجاء بحمد الله كتابا جامعا بين علمي اللغة والتصريف، مانعا من الخطإ والتصحيف والتحريف، مغنيا عن حمل أسفار كبيرة، حاويا مع صغره  لفوائد كثيرة، ما لا تكاد تجده مجموعا في تصنيفـ ولا مفردا بتأليف.فإني  لما رأيت ابن مالك رحمه الله حصر في هذه المنظومة ما جاء شاذا عن مضارع فعل المكسور العين على يفعل بالكسر كيحسب، ومن اللازم المضاعف مضموما ومن معداه مكسورا، تتبعت مواد العربية من الصحاح والقاموس و غيرهما، فظفرت بأشياء من الشاذ لم يحفظها ابن مالك رحمه الله تعالى في البابين  وغيرهما، فزدتها على ما أورده لتكمل الفائدة، وذلك بعد إيراد جملة من أمثلة الفعل المقيسة، إذ لا فائدة في معرفة الشاذ لمن لا يعرف الأصل المقيس عليه كما لا تعظم الفائدة في معرفة غريب اللغة قبل مشهورها وغير ذلك مما ستراه موضحا في أبوابه إن شاء الله تعالى مما لا يعرف قدر فعله إلا من وقف عليه مما تشتد إليه حاجة كل مصنف ومدرس و غيرهما من طلبة العلم. و الله سبحانه المسؤول أن يمن علينا بإتمام نعمه الباطنة والظاهرة، و أن ينفعنا بما علمناه في الدنيا والآخرة.إنه سميع الدعاء قريب مجيب. وما توفيقي إلا باله عليه توكلت وإليه أنيب».

                                           عبد الرحمن المتقي – زاكورة - المغرب

 

       تعليق عباس أرحيلة:


1 - تحية طيبة إلى من يكون الشوق إلى أمثاله من أهل الفضل والعلم والتقى، الأستاذ الفاضل عبد الرحمن المتقي أحد أعلام زاكورة، وعضو المجلس العلمي لمدينة تارودانت.

2  - ما يلاحظ على المقدمة التي تفضلتَ بإرسالها إليّ،َ وأحببتُ أن يشاركني في الاستفادة منها قراء جيران، ما يلي:

-        أولا: براعة الاستهلال: «الحمد لله المتصرف قبل علة التصريف»؛ إذ موضوع الشرح التصريف، وهذا أمر طريف يدلّ على تعلّق العالم بتخصصه وما هو بصدده.

-        ثانيا: بدأ بعد البعدية بما يسمّى مدح الفن ببيان وظيفته وأهميته: «أما بعد، فإن علم العربية في الدين بالمحل الأعلى، والمقام الأعز الأسنى؛.إذ هو السلم الذي يرتقى به إلى فهم الخطاب، والقنطرة التي عليها المجاز إلى معرفة السنة والكتاب. على ذلك أجمع أهل العلم سلفا وخلفا،  وتقربوا إلى الله بطلبها زلفى، وشرطوها في صحة الإمامة العظمى فما دونها من الولايات، و أعدوها من أهم فروض الكفابات...». فالعلم بالعربية من أسس العقيدة، وبواسطته يرتقي الإنسان إلى فهم القرآن والسنة النبوية، ومن خلاله يكون العبور إليهما، وبطلب ذلك العلم يُتقرّبُ إلى الله تعالى، وكيف وهي من أهم فروض الكفايات، ولا تصحُّ الإمامة العظمى بدونها.

-        ثالثا: تحديد ما يُريد إضافتَه إلى شروح السابقين للامية الأفعال؛ إذ يريد أن يضرب بسهم مُصيب بين أربابها – كما يقول -.

«حاولت اختصار مقاصدها، و الاقتصار على المهم من فوائدها...فضبطتُ ألفاظها، و فتحت مُقْفَلَهَا، وحلَلْتُ مُشْكِلَهَا، وكثَّرْتُ أمثلتَها، ونَبَّهْتُ على كثرة معانيها... و ضممت إلى ذلك فوائد و إشارات وتتمات وتنبيهات، و اخترعت لها تقسيمات...»، بل تراه قد حدَّد ما أضافه إلى ابن مالك بالوضوح الكافي.

- رابعا: إعجابه بصنيعه:

«فجاء بحمد الله كتابا جامعا بين علمي اللغة والتصريف، مانعا من الخطإ والتصحيف والتحريف، مغنيا عن حمل أسفار كبيرة، حاويا مع صغره  لفوائد كثيرة، ما لا تكاد تجده مجموعا في تصنيف و لا مفردا بتأليف».

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


العلم بلا عمل لا يكون ، والعمل بلا علم جنون