عبدالرحمن المتقي
التقطت هذه الصورة أواخر الموسم الدراسي 79/80 بساحة المركز التربوي الجهوي بمراكش الموجود ساعتها بالسملالية، يتوسطها الأستاذ سيدي عبد السلام الخرشي رحمه الله، و عن يمينه صاحب الكلمة ذ.عبد الرحمن المتقي، يليه إلى اليمين ذ. عبد السلام أوحدو مدير ثانوية ابن تومرت بمراكش اليوم، خلفه ذ. صالح حدبي المدرس منذ تخرجه إلى اليوم بإعدادية مولاي رشيد بخريبكة ، وفي أقصى اليمين ذ. علي الجناني متقاعد اللحظة بزاكورة. و يتوسط الجالسين ذ.بالي مصطفى من مدينة الصويرة. وباقي الإخوة من منطقة بني ملال و الفقيه بن صالح.، و كلهم من شعبة اللغة العربية، وكان الفقيد يدرسهم التربية الإسلامية. و الصورة تكشف دفء العلاقة التي كانت تجمع بين الأستاذ وتلامذته عصرئذ.
أو مـا ترى أن المصـائب جمة *** وتـرى المنية للعبـاد بمـرصـد
من لم يصب ممـن ترى بمصيبة *** هـذا سبيل لسـت عنه بأوحـد
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْوَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ] البقرة/154-156).
مقامات الزمخشري
الجمع بين مقدمة الكتاب وخطبة خاصة بالمقامات
عباس أرحيلة
تمهيد:
كتب أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري المتوفى سنة 538ه ، مقدمة لكتابه "مقامات الزمخشري"، وأضاف إليها ثانيةً باسم "خطبة الكتاب" في شكل مقامة من بين مقاماته. ولطرافة الجمع بين مقدمتيْن: الأولى تحمل اسم مقدمة الكتاب، والثانية اسم خطبة الكتاب؛ سُقتُ هذه المقالة. وهما معاً تكشفان عن إفادات حول الزمخشري ومقاماته من حيث موضوعها وجمالياتها وظروف إنشائها، وما حملته ثانيتُهما من إحساس بمرارة الغفلة؛ وما تجرّعه صاحبها من ألم وحسرة يوم بُتِرَتْ ساقُه. إلى جانب ما ورد في المقدمتيْن معاً من إفادات تتعلق بالكتابة والكِتاب في الثقافة الإسلامية. وفيما يلي وقفة مع كل منهما.
أولا: مع مقدمة كتاب "مقامات الزمخشري"
1 – موضوع الكتاب:
من عادة الزمخشري أن يبدأ كُتُبَه بالديباجة الراسخة في مقدمة الكتاب الإسلامي على امتداد تاريخه الطويل، وكأنه يستبقيها إلى الخطبة الثانية!
وعلى غير عادته بدأ بالدعاء لمخاطبه بالتوفيق، بعد أن تحقق من رغبته في ازدياد العلم وحرصه على الحكمة والنصيحة.
فجاء موضوع مقاماته يتناول الحكمةَ والنصحَ؛ مع بيان ما أُشكل من ألفاظها ومعانيها.
2 - توجيهات للقارئ:
أ - دعا قارئ مقاماته أن يتعمق معانيَ هذه النصائح المبثوثة فيها، وأن يستحضر فكره لفهمها واستيعاب مضامينها.
ب – ودعاه أن يستفيد منها في تقويم أخلاقه وسلوكه؛ إذ "العمل ببعض ما فيها مما يَُهَذِّبُ النفسَ ويُطهّر القلبَ".
ج – ولَفَتَ انتباهَهُ أن لا يُمكِّن من هذه النصائح إلا من يوازيه في صفته أو يُدانيه "من أُولي الفَضْل والديانة".
3 – مسألة تعظيم العلم:
أ - لا يُقدم العلم إلا لمن يستحقه:
من خلال التوجيه الثالث – ج - تحدث الزمخشري عن أهمية العلم في ذاته، وعن ضرورة تعظيمه وتكريمه؛ بتقديمه لمن يستحقونه؛ وبناءً عليه دعا مُخاطَبَه أن يربأ بهذه النصائح " عن أولئك الذين يحسبون أنهم يُحسنون ولا يُحسنون؛ ليكون من العُمَّال بقول عيسى عليه السلام:" لا تَطْرَحُوا الدُّرَّ تحت أَرْجُلِ الخنازير. فإن العلم بِنَقَلَِتهِ يكبَر بِكِبَرِهِم ويَصْغَرُ بِصِغَرِهِمْ".
ب - تعظيم العلم يستدعي جمالية عرضه في المؤلفات:
يقول الزمخشري إنه رأى "من المشايخ من يحتاط في إكرام مُصَنَّفِه حتى لا يرضى له إلا أن يُكتب بخط رشيق، وبقلم جليل، وفي ورق جياد، وأن يُخَطَّ مضبوطاً بالنقط والشكل، فقد قيل: الخَطُّ الحَسَنُ يَزِيدُ الحَقَّ وُضُوحاً".
ج – مسؤولية الناسخ في نقل الكتاب:
يدعو الزمخشري الناسخ " أن يوشح نسختَه باسم المنشئ وتفخيمه والدعاء له بالرضوان والرحمة؛ فإنه أقل ما يستوجبه منه على ما وصل إليه من فوائده". فلا عجب أن يأتي في بداية بعض الكتب اسم المؤلف بكثير من الإجلال والتفخيم، والدعاء والرحمة، وقد يرد في تضاعيف الكتاب في بعض الأحيان.
4 – تنبيهُه إلى الصنعة في الأداء البياني للمقامات:
أ – يدعو الزمخشري قارئه أن لا ينظر إلى أسجاع مقاماته دون تأمُّل لرسوخ قدمه في فن المقامات؛ وفيما يستدعيه هذا الفن من رسوخ وتمكن من لدن صاحبه، وما يكون له من استعداد أدبي قبل إنشائه.
ب – ويُنبّه قارئه إلى ظاهرة التوازي بين الطبع والصنعة وانصهارهما في مقاماته؛ إذ لا تتحقق البراعة في الأداء البياني – في نظره - حتى يتحقق هذا التوازي والتناغم بينهما؛ فلا يقوم بديع بـ" تحسين الألفاظ وتزيينها بطلب الطباق فيها والتجنيس والتسجيع والترصيع ... وإلاَّ فَمَا قَلِقَ في أماكِنِهِ، ونَبَا عن موقِعِهِ؛ فَمَنْبوذٌ في العَراء مرفوضٌ عند الخطباء والشعراء".
ج – رغبتُه أن تُقرأَ مقاماته برؤية جمالية:
يرى ضرورة النظر إلى هندسة أسجاع مقاماته وما تنطوي عليه من نكت ولطائف." وما رُوعيَ في مناظمها من روائع الترتيب، وتفهيمك أن كلمات السجع موضوعة على أن تكون ساكنة الأعجاز موقوفا عليها؛ لأن الغرض أن يُجانَسَ بين القرائن ويُزاوَجَ بينها، وما يتم ذلك إلا بالوقف، وإلاَّ ذهبتْ أيادِي سَبَا".
ويختم مقدمة كتابه بالدعاء لقارئه: " أسأل الله أن يُفْعِمَ لكَ سِجالَ النِّعَم، ويُعينَكَ على إفادة أهل الحَرَم، وإفادة الوُفََّاد من أقاصي البلاد، ويُكْتِبَكَ ببركة هذا البيت العتيق في زمرة العُتَقاءِ من النار، ويُثبت اسمَك في جملة الأبرار؛ الذين لهم عقبى الدار".
ويُستفاد من هذا الدعاء، وممَّا ورد في خطبة المقامات – كما سنرى – أن الزمخشري كتب هذه المقامات في الحَرَم المكيّ، قرب البيت العتيق؛ فترة الجوار بمكة المكرمة.
ثانيا: خطبة الكتاب التي جاءت في صورة مقامة
1 – ديباجة الخطبة:
أ – بدأ خطبة الكتاب بقوله:" وأحمَدُه على ما أدَرَجَ من آلائه، في تضاعيف ابتلائه، وما رزَقَنِي مِن دَرِْك الغِبْطَة، بما أذاقني من مَسِّ السَّخْطَةِ".
حَمِدَ الزمخشري الله عزَّ وَجلَّ على نِعَمِه التي توالتْ عليه من فضل ربه، ومن ثمر ألطافه عليه ما ظهر على قلمه من ألوان البيان. وكان في طيات تلك النِّعَم اغتباطُه بنعمة الصحّة بعد ابتلائه بـ"مسِّ السَّخْطَة" يوم بُتِرَتْ ساقُه في حادثة ثلج، وأصبح يُعرف بعدها بالأعْرَج، كما سيتضح.
ب – طلبُه الاستعانة في الاستقامة على سواء السبيل.
ج – طلبُه الاستعاذة من الاستنامة إلى الشيطان وتَسْويله.
د - الصلاة على رسول الله وآله" المبتعث بالفرقان الساطع، والبرهان القاطع".
هـ - يقول عن نفسه أي عن منشئ هذه المقامات :" أنشأها الإمام فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري"؛ ليُعرَف بها، وتُعرَف به، وتُنسَبَ إليه، ولا تُنسَبُ لسواه.
2 – سبَبُ إنشائه لمقاماته هذه:
قال إنَّ السبب الذي نَدَبَه لذلك أنه جاءه إنذار في لحظة وَعْيٍ حادٍّ:" أُريَ في بعض إغفاءات الفجر كأنما صَوَّتَ به مَن يقول له: يا أبا القاسم أجَلٌ مكتوبٌ، وأملٌ مكْذوبٌ".
فاستيقظ قلقا مروَّعاً، فكتب مقامةً وجَّهها لنفسه؛ دعاها فيها أن تَتَنَبَّهَ من غفلتها، ومن عادة ذُهولها عن جِدِّها بهزْلِها؛ أي أن تستشعر عبَثَ الحال، وخطورة المآل.
وشرَح عبارة "أمَلٌ مَكذوبٌ" بقوله:" كأنَّ النفسَ تقول للأمل لِيَكونَنَّ ما تعلَّقْتَ به، وهي كاذبة في ذلك، ونحوُه قراءة: "ولقد صدَّقَ عليهم إبليسُ ظَنَّهُ" ونصَبَ الظَّنَّ، كأنَّ إبليس قال لظنه:" لأُغْوِيَنَّهُم أجمعين" فكان كما قال".
3 – وجاء الإنذار الثاني في شكل مرضة "مُنْذِرة":
لهذه الخطبة قيمة تاريخية لاشتمالها على معلومات تخص حياة الزمخشري، بعد حادثة إغفاءة الفجر، وما تلاها من ذلك الحادث المروع؛ الذي أسماه: " المرضة المُنذرة".
يقول:" فلما أُصيب في مستهلّ شهر الله الأصم – رجب: لا يُقعْقَعُ فيه سلاح – الواقع في سنة ثِنْتيْ عشرةَ بعد الخمسمائة بالمرضة الناهكة؛ التي سمّاها المُنْذِرة؛ كانت سبب إنابته وفَيْئته، وتَغَيُّر حاله وهيْئته". ويستفاد من هذا أمران:
أولهما: التاريخ الذي حاصره فيه الثلج فتسبب في بتر ساقه، وكان ذلك في مستهل رجب سنة 512ه، فعاش على حالة العَرَج ستاً وعشرين سنةً.
ثانيهما: كانت "المُنذرة" سبب إنابته، وهو يرى ذلك في تَغَيُّرِ حاله وهيئته من المشي المعتاد إلى العرَج ما بقي من حياته.
4 – فما الميثاق الذي أخذه على نفسه إثر "المُنْذِرة"؟
أ – " أخذ على نفسه الميثاق لله إنْ مَنَّ الله عليه بالصحة أن لا يطأ بأخمصه عَتَبَة السلطان...
ب – وأن يَرْبأَ بنفسه ولسانه عن قَرْض الشعر فيهم، ورفع العقيرة في المدح بين أيديهم، وأن يَعِفَّ عن ارتزاق عَطِيَّاتهم، وافتراض صلاتهم...
ج – ويجِدَّ في إسقاط اسمه من الديوان ومَحْوِه.
د – وأن يُعنِّفَ نفسَه ما استطعمَتْ في ذلك فيما خلا لها في سِنِّي جاهليتها...
هـ - وأن يعتصم بحبل التوكل ويتمسك، ويتبتل إلى ربه ويتنسك، ويجعل مسكنه لنفسه مَحْبِساً، ويتخذ لها مُخيَّساً"؛ أي سجناً.
تلك كانت مظاهر الغفلة في حياته: حين وطِئَ بأخمصه عَتَبَةَ السلطان، وارتزق عطياته، وكُتِب اسمه في ديوانه. واستشعر في لحظته هذه أن مصابه جاء نتيجة وضع أخمصه في بيت السلطان؛ فضاع منه أخمصُه! ورفع العقيرة في مديحه ؛ فصار يرفع عقيرته أي رجله وهو يصيح من الألم والحسرة!
5 – فكيف ستصير وجهته العلمية بعد"المُنذرة"؟
أ – لا يُدرِّسُ من العلوم إلا ما له جدْوى، ممَّا يدعو دارسَه إلى الهدى، ويردَعُه عن مُشايعة الهوى.
ب – أن يُعنى من علوم القراءات والحديث وأبواب الشرع ما به يُقصَدُ وجهُ الله تعالى، وخدمة الدين.
ج - وأن يضرب صفحاً عن العلم "ليتخذَه أُهبةً للمباهاة، وآلةً للمنافسة، ويتسوَّر على اقتباسه إلى الحظوة عند الخائضين في غَمَرات الدنيا والتَّسَمِّي بين ظَهْرانِيهم بالفاضل والتلقُّب بالبارع، وذَريعةً إلى ما نَزَعَ يدَهُ منه".
د – أن يتوب التوبة النَّصُوحَ؛ فلا يعود إلى ما كان عليه، حتى يرجع اللبن إلى الضرع! " وحين أتاح الله له الصحة التي لا يُطاق شكرُها وألْطَفَ له في الوفاء بما عهِدَ... انتدب للرجوع إلى رئاس عمله في إنشاء المقامات التي تمّمَها خمسين مقامة؛ يعِظُ فيها نفسه وينهاها أن تركَنَ إلى ديْدنها الأول؛ بِفِكْرٍ فيه وذِكْرٍ له، ويأمُرها أن تَلَجَّ في الاستقامة على الطريقة المثلى".
وأنهى خطبته بأمريْن:
الأول: ما يعود على قراء مقاماته ومُقتبسيها "بجليل النفْع وعظيم الجدوى، في بابيْ العلم والتقوى، من انتقاء ألفاظها، وإحكام أسجاعها وتفويف – توشية – نسجها، وإبداع نظمها، وإبداعها المعاني التي تزيد المستبصَر في دين الله استبصاراً، والمُعتبَر من أُولي الألباب".
الثاني: دعاء الختم: يسأل الله عز وجل أن تَلقى القَبول من القلوب، والإنصات من الأسماع، وأن تسير في البلاد،" وأن يستنطق مَن طرأت عليه من أفاضل المسلمين بالدعوة الطيبة لمنشئها، والترحّم على مقتضبها. واللهُ تعالى مَرجوُّ الإجابة، لمن يسألُه من أهل الإنابة" [ص، 11 - 15].
وفي الختام أقول:
حملت هاتان المقدمتان إفادات تتعلق بشيء من حياة الزمخشري، وخاصة ما تعلق منها ببتر ساقه في حادثة الثلج.
فكانت هذه المقامات عبارة عن أنّات وجَّهَها إلى نفسٍ دمّرتْها الحسرة؛ لِماَ ران عليها من الغفْلة؛ فاضطرمتْ تلك الأنات في صورة نصائح لمن يريد أن ينتصح. هذا إلى جانب ما تحمله المقدمتان من إفادات تتعلق بصيانه العلم وتعظيمه في نقله وكتابته، وبحديث الزمخشري عمَّا استشعره تجاه مقاماته بما تنطوي عليه من جماليات وأداء فني خاص.
المصدر:
مقامات الزمخشري - ط1[ الكتب العلمية، بيروت، 1402م].
ملاحظة:
منبر الرابطة المحمدية للعلماء، العدد 28، الأربعاء 14 جمادى الثانية 1432هـ/ 25 مايو 2011م
ما البحث؟ وما الباحث؟
عباس أرحيلة
أولا: البحث حفرُ وتنقيب في التراب
1 – بَحَثَ: حفَرَ الأرض وطلب شيئا مطموراً في التراب. فالبحث لغةً: طلبُكَ الشيءَ في التراب. فهو: نبْشٌ وتفتيشٌ وتنْقيبٌ (1).
لاحظ ابن جني (392 هـ) في "كتاب الخصائص" أن أهل العربية «قد يُضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المُعَبَّرِ عنها بها ترتيبَها (...). وذلك قولهم: بحث:
فالباء لغلظها تُشبه بصوتها خَفْقَة الكف على الأرض،
والحاء لِصَحَلها تُشبه مخالب الأسد وبراثن الذئب ونحوهما إذا غارت في الأرض،
والثاء للنَّفْث والبث للتراب» (2).
فدلالة لفظ بحث مأخوذةٌ من أصوات حروفه وترتيبها:
الباء: صوتها يُشبه صوتَ خفْقة الكف على الأرض؛ أي حين تضرب الأرض فيُسمع لها صوت. ويُقال: خفق بنعليْه: ضرب إحداهما بالأخرى.
الحاء: صوتُها يُشبه صوت البُحَّة، من صحِل الرجل إذا كان قي صوته بُحَّة.
الثاء: صوتها يُشبه صوت التراب حين يُنفث ويتطاير في الهواء.
ثانيا:" فبعث الله غرابا يبحث في الأرض"
[ المائدة:31].
ورد في القرآن الكريم أن ابنيْ آدم اقتتلا؛ وطوَّعت نفسُ أحدهما قتل أخيه فقتله؛ " فأصبح من الخاسرين" فلم يعرف كيف يواري جثتة. وفي رواية أن الله تعالى بعث غرابيْن شاهدهما يقتتلان، وحين قتل أحدهما الآخر، راح القاتل يبحثُ التراب أي يُفتشه بمنقاره ويُثيرُه؛ فيُلقيه على الغراب الميت ليُواريَ سَوْأَتَه(3).
فبحث معناه فتّشً عن شيء مطمور في التراب، وفي المثل:" كباحثة عن حتفها بظلفها"؛ وذلك أن شاة بحثت عن سكين في التراب بِظِلْفِها، ثم ذُبِحَتْ به.
وسُمِّيَتْ سورة التوبه بسورة البُحوث والبَحوث؛ لأنها بحثتْ عن المنافقين وأسرارهم فكشفتهم. فالمعنى اللغوي يُفيد إخراج شيء من الخفاء إلى الظهور، ومن الغياب إلى الحضور.
ومن منطلق هذا المعنى اللغوي الحسي ننتقل إلى معنى استخراج شيء جديد في مجال المعرفة.
ثالثا: البحث حفرٌ وتنقيبٌ في المعرفة
1 – بحث النص: تناوله بالشرح والدرس؛ فالبحث عُرْفاً: محاولة لاكتشاف حقيقة كانت غائبة عن الأنظار. فهو تفتيش وتنقيب وفحص وكشف لفكرة ما. واكتشاف الحقيقة يأتي عن طريق إثبات النِّسبة الإيجابية أو السلبية بين شيئين بطريق الاستدلال.
2 – والمعنيان اللغوي والعرفي يقتضيان بَذْلَ الجهد في النبش والحفر والتفتيش والتنقيب عن شيء لا يُشك في قيمته. وآليات النبش والحفر والتنقيب في الأرض تتعدد وتتنوع بحسب الموقع وطبيعة التربة، واستعداد الباحث، وما له من أدوات وتقنيات ومهارات في الحفر. وآليات الحفر في مجال المعرفة هي القراءة الفاحصة، المنقِّبة، ومن أدواتها السؤال والتحري والاستخبار، استعمال آليات الفهم والتدبر والاستنباط.
فالبحث العلمي مُعتَمَدُه الدرس وإعمال الفكر، وطول التأمل والتعمُّق، والقدرة على الاستنباط.
ومن نماذج استعمال مادة بحث نذكر:
1 – قول ابن طباطبا العلوي (322هـ) في كتابه عيار الشعر عن التشبيه في الشعر العربي الذي يُحتَجُّ به:« فابحث عنه ونَقِّرْ عن معناه؛ فإنك لا تعدِمُ أن تجدَ تحتَه خبيئةً إذا أثرْتَها عرفتَ فضل القوم بها وعلِمتَ أنهم أرقُّ طبعاً مِن أن يَلفِظوا بكلام لا معنى تحته» (4).
2 - وقول أبي حيان التوحيدي (414 هـ)، في الإمتاع والمؤانسة، عن أهل البيان الذين« يستخرجون غوامض العلم من مَخابئِها» (5).
3 – وقول عبد القاهر الجرجاني (471 هـ) في دلائل الإعجاز حين لاحظ أن بعض العبارات البلاغية تأتي كالرمز والإيماء، والمغزى من تلك العبارات يأتي بعضه «كالتنبيه على مكان الخبيء ليُطلَب، وموضِع الدفين لِيُبحَث عنه فيُخرَج» (6).
رابعا: فمن هو الباحث إذن؟
إنه من يُنقّب عن الجديد، ويأتي بشيء لم يُسبَق إليه. ويحاول ما أمكنه ذلك أن ياتي بشيء جديد. فنحن نطلق مجازاً لفظة بحث على أي بحث كان. والأصل أن لا نطلقه إلا إذا أخرج صاحبه ما كان غائبا عن الأنظار؛ أي إذا أبدع شيئا يُعد تراكما حقيقيا في بابه.
وهاجس الإبداع هو ما ينبغي أن يؤرِّق كل باحث، حتى لا يُقال عن بحثه إنه كان «مُعاداً مكروراً»، وخاصة أن السابقين ما تركوا من "متردَّمِ".
وتميز ابن المرزبان بلقب الباحث في القرن الرابع ( أبو منصور محمد بن سهل المرزبان 330 هـ). ولقَّبه النديم في الفهرست بـ «الباحث عن مُعتاص العلم»؛ أي أنه تميز باستخراج ما استعصى على غيره.
هوامش:
(1) اللسان – تاج:[مادة: بحث].
(2) الخصائص: عثمان بن جني ت392هـ، تح: محمد علي النجار – ط1[دار الكتاب العربي، بيروت]: 2/162- 163
(3) ينظر: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ابن عطية( عبد الحق بن غالب ت 446هـ)، تح: عبد السلام عبد الشافي محمد – ط1[ الكتب العلمية، بيروت، 1993]:2/180 – 181
(4) عيار الشعر : ابن طَباطَبا العلوي ( محمد بن أحمد ت 322هـ)، تح: د. عبد العزيز بن ناصر المانع – ط1[ القاهرة، مطبعة المدني، 1985]، ص11
(5) الإمتاع والمؤانس: أبو حيان التوحيدي ( محمد بن أحمد ت 414هـ)، تح: أحمد أمين، أحمد الزين – د.ط [ منشورات دار مكتبة الحياة، د.ت]: 2/144
(6) دلائل الإعجاز الجرجاني ( عبد القاهر بن عبد الرحمن ت471 هـ)، تح: محمود محمد شاكر – ط1[ القاهرة، مطبعة المدني، 1984]، ص34
ملاحظة:
منبر الرابطة المحمدية للعلماء، العدد 27 ، 21 جمادى الثانية 1432هـ/ 1يونيو 2011م
حينما تكون النُّسْخَةُ الأُمُّ بخطِّ مُؤَلِّفِها
عباس أرجيلة
تمهيد:
نجد واضعي قواعد التحقيق ينصحون باتخاذ نسخة المؤلف أصلا وأساسا في تحقيق المخطوط. ولكن أغلب المخطوطات في التراث العربي لم تصل إلينا بخطوط مؤلفيها. وحتى ولو كانت بخط مؤلفها فإن الأمر ليس عندهم على إطلاقه، فهناك ملاحظات ينبغي اعتبارها ونحن نقرأ النسخة التي كتبت بخط المؤلف.
1 – قد تكون نسخة المؤلف التي عُثر عليها مُسَوَّدة، فعلى المحقق أن يبحث عن المبيَّضة. ويرى المستشرق الألماني بيرشتراسر أن المسوَّدة قد تكون قريبة من الأصل؛ إلا أنها في كثير من الأحيان لم تبلغ غاية الكمال الذي وصل إليه المؤلف في مُبَيَّضَته (1).
فقد يكتب المؤلف كتابه، ثم يعيد النظر فيه، ويضيف عليه ما يراه مناسباً ثم يُبَيِّض، ويترك نسختين متداولتين. وقد ذكر ياقوت الحموي (626 هـ) أن الجاحظ ألف كتاب "البيان والتبيين" مرتين، وكانت ثانيتهما أصح وأجود، وهو ما أشار إليه عبد السلام هارون (1908 - 1988م) في مقدمة تحقيقه للكتاب، وكشف عنه أثناء التحقيق(2).
2 - وقد يضيف المؤلف إضافات يلحقها بكتابه، فإذا ما ذكر أنها ذيلٌ أبقاها المحقق على حالها. أما إذا أشار إلى أنه كان يريد إلحاق هذه الزيادات في مكانها، ولم تسعفه الظروف، كان على المحقق أن يلبي رغبة المؤلف، على أن يذكر ما فعله في مكانه.
3 - وقد يضع المؤلف كتاباً ثم يعود إلى كتابته من جديد في بلد آخر وظروف أخرى. فابن دريد أملى كتاب "الجمهرة" بفارس وببغداد من حفظه،" فلما اختلف الإملاء زاد ونقص ... وآخر ما صحَّ من النسخ، نسخة أبي الفتح عبيد الله بن أحمد النحوي؛ لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها عليه (3).
وعلى هذا فقد يكون هناك أكثر من مبيضة، وقد تفضل إحداهما الأخرى بالدقة. فقد ورد في كتاب الفهرست أن أبا عمر الزاهد غلام ثعلب ( محمد بن عبد الواحد 345هـ) ألف كتابه "الياقوت في اللغة" ست مرات، وأملى كتابه في العرضة الأخيرة قائلا:" فمن روى عني في هذه النسخة هذه العرضة حرفاً واحداً من قولي فهو كذاب عليَّ، وهي من قراءة أبي إسحاق ( الطبري) على سائر الناس، وأنا أسمعها حرفاً حرفاً"(4).
وعلق عبد السلام هارون على الخبر بقوله: وأمثال هذه النسخ تسمى نٌسخة الأم (5). فنسخة المؤلف قد تتكرر، كما لا حظ هارون، ولا يُمكن القطعُ بها ما لم ينص هو عليها، وليس وجود خطه عليها دليلا على أنها النسخة الأم، بل إن الأمر كله اعتباري لا قطعي(6). ومما هو جدير بالتنبيه أيضا أن بعض المؤلفين يؤلف الكتاب الواحد على ضروب شتى من التأليف (7).
4 – وقد تكون النسخة الواحدة مكتوبة أحياناً في زمنين متفاوتين، بحيث يضيع جزؤها، فيكمله ناسخ آخر في زمن آخر(8).
أما دواوين الشعر، فقلما نجد الشاعر نفسه يكتب ديوانه بخط يده. وإذا حصل مثل هذا فإن النسخة – إن عثرنا عليها- ستكون أُمّاً، وتعد من روائع المخطوطات. وقد يُنسخ الديوان عن الشاعر نفسه، أو يُقرأ عليه بعد نسخه. وكثيراً ما نقع على أكثر من نسخة للديوان الواحد؛ بعضها لرواته ومحبيه، وبعضها لحساده ومبغضيه.
وحتى لو كانت النسخة بضبط المؤلف وتعليقاته، فإن الأمر يحتاج إلى تحرّيات لإخراج النص وتوزيعه بين المتن والهوامش.
5 - وذكر عبد السلام هارون أن بعض النساخ ينقل عبارة المؤلف في آخر كتبه، وهي في المعتاد نحو "كتب فلان" أي المؤلف؛ ثم لا يُعقب الناسخ على ذلك بما يُشعر بنقله عن نسخة الأصل، فيظن القارئ أنها هي نسخة المؤلف. وهذه مشكلة تحتاج إلى فطنة المحقق وخبرته بالخط والتاريخ والورق.
وقال بيرشتراسر:" إن كتاب المسلمين يُشيرون غالبا إلى وجود نسخ المخطوطات التي كتبت بخط مشاهير المؤلفين في أماكن بعينها، وفي عصور بعينها، وقد بقي عدد لا بأس به من أمثال هذه المخطوطات التي كتبت بخط مؤلفيها إلى يومنا هذا. والمرجح أن العرب كانوا أكثر تقديرا لقيمة المخطوطات المكتوبة بخط مؤلفيها من علماء الغرب"(9).
هوامش:
(1) أصول نقد النصوص ونشر الكتب، محاضرات المستشرق الألماني: برجستراسر، إعداد د. محمد حمدي البكري – ط1[ القاهرة، مطبعة دار الكتب، 1969]، ص15
(2) تحقيق النصوص ونشرها: عبد السلام محمد هارون – ط5 [القاهرة، مكتبة السنة،1994]، ص 33
(3) الفهرست: النديم ( محمد بن أبي يعقوب، أبو الفرج 380هـ)، تحقيق: د. يوسف علي الطويل – ط1 [ بيروت، دار الكتب العلمية، 1996]، ص97
(4) نفسه، ص 121
(5) تحقيق النصوص ونشرها: عبد السلام هارون، ص29، ط5
(6) نفسه، ص35
(7) نفسه، ص36
(8) نفسه، ص 29
(9) أصول نقد النصوص ونشر الكتب، ص16 – 17
ملاحظة: منبر الرابطة المحمدية للعلماء، عدد 25 ، الأربعاء 30 جمادى الأولى 1432هـ/ 18 ماي 2011
النسخة الأم في مجال التحقيق
عباس أرحيلة
أولا: البحث عن النسخ وعن أصحها وأوثقها
قبل ظهور الطباعة، كان اللجوء إلى النُّسّاخ والوراقين من أجل استنساخ الكتب والحصول عليها. وبعد ظهور الطباعة بدأ البحث عن المخطوطات لإخراجها من "مخطوطيتها"، وإخضاعها للطباعة. وهنا دعت الحاجة إلى البحث عن نُسَخِ الكتاب، وعن أصح تلك النسخ لاعتمادها في إخراجه.
وبالبحث عن أصح النسخ وأوثقها، يبدأ الشروع في مقابلة النسخ لاستخلص أجودها، وأقربها إلى روح مؤلفها. وهذه أدق مرحلة وأشدها أهمية؛ لارتباطها بلحظة تقتضي الجرأة والحذر في ترجيح نسخة عن بقية النسخ المخطوطة المتوافرة. ويأتي الحديث عن هذا أثناء وصف النسخ المعتمدة وتناول منهجية التحقيق.
ومع تحويل المدونات المخطوطة إلى كتب مطبوعة، بدأت معاناة قراءة المخطوطات في العصور الحديثة، وبدأ التفكير في وضع قواعد عامة لضبط النصوص وتوثيقها، والتغلب على مخلّفات النساخ فيها. وهذه القواعد، التي أصبح يُراعى الالتزام بها، أُطلق عليها قواعد التحقيق. وأصبحت الغاية أن يُقدم محقق النص نصّاً خاضعاً للضبط والتوثيق، وأقرب ما يكون إلى الحالة التي وُضِع عليه أول مرة.
ودور المحقق أن يقوم بضبط النص من المخطوط، بأمانة وإمعان وبرؤية علمية معاصرة، ويعمل على تيسير قراءته من خلال تصحيح هناته، وتوزيع فقراته، وإغنائه بالهوامش والشروح والتعليقات المناسبة؛ وأن يلتزم في ذلك بما تعارف عليه أهل التحقيق من قواعد.
بعد اختيار المخطوط الذي يُراد تحقيقه، وبعد الحصول على ما تأَتَّى من نُسخه؛ تبدأ عملية قراءتها، ومواجهة ما تحمله من إشكالات واختلافات بينها. وبعد دراستها يتم اختيار النسخة التي تُتخذ – في العادة - أصلا يُعتمد في التحقيق؛ وهنا يأتي الحديث عن النسخة التي اصطلح على تسميتها بالنسخة الأم.
ثانيا: المراد بالنسخة الأم
يُطلق مصطلح النسخة الأم على النسخة التي تُجعَلُ أصلاً في التحقيق. وللفظ الأم – في هذا السياق - معنيان:
المعنى الأول: يُراد بالأم الأصل. ولما كانت الأم هي التي تلد، وهي الأصل في الزيادة والتكاثر؛ أُطلق لفظ النسخة الأم على تلك النسخة التي تتولَّدُ منها وتَتَنشَّأُ عنها بقية النسخ.
والمعنى الثاني: يُطلق لفظ الأم على الراية التي تقود الجيش، أي تلك التي تأتمُّ بها كتائب الجيش في سيرها ومعاركها، وتُطلق على النسخة التي تأتمُّ بها بقية النسخ المساعدة على توثيق النص وضبطه.
وقد أطلق الجاحظ على مصطلح النسخة الأم مصطلح النسخة المنصوبة، وذلك أثناء الحديث عن خوفه من تحريف كتبه والتصرف فيها بإلحاق ما ليس منها، وذكَرَ أنه بادر"إلى تفريغ نسخ منها وتصييرها في أيدي الثقات والمستبصرين (...) ففعلنا ذلك وصيَّرناه أمانة في أعناقهم، ونُسخة باقية في أيديهم، ووثقنا بهم أمناء ومُستودَعين، وحفَظَةً غير مُضَيِّعين ولا مُتَّهمين (...) فإن شيب به شوْبٌ يُخالفه، وأُضيف إليه ما يلائمُه، رجعنا إلى النُّسخة المنصوبة، والأصول المخلدة عند ذوي الأمانة والثقة، واقتصرنا عليها" (1).
وفي "أساس البلاغة" للزمخشري (438هـ)، يقال: يرجع إلى مَنصِب صدق ونِصاب صدق وهو أصلُه الذي نُصِبَ فيه ورُكِّبَ... ومنه نِصاب السكين وهو أصله الذي نُصِب فيه(2).
وفي "المصباح المنير": قال الأزهري وابن فارس نِصابُ كل شيء أصلُه (3).
ونجد الجاحظ: أثناء حديثه عن أجزاء كتاب الحيوان، يقول:"وكل مَصْحَف منها فهو أُمٌّ على حدة"(4).
وجاء في "معجم المخطوط": النسخة الأساس هي النسخة الأم، وهي أيضا النسخة الأصلية عند القدماء (...). والنسخة الشيخة: النسخة الأم أو النسخة المعتمدة، أطلقت في فاس على رواية ابن سعادة لصحيح البخاري (...) والنسخة النموذج هي النسخة الأم في الحقيقة"(5).
ويشرع المحققون عادة بنقل النسخة الأم أولا ( باليد – أو بالآلة الكاتبة، مع تباعد ما بين السطور )، وتُقرأ قراءة متمعنة قصد التمرس بأسلوب المؤلف، ثم تجري المقابلة بينها وبين بقية النسخ الخطية. وبذلك تُصبح أصلا وأُمّاً لسائر النسخ، فتتم المقابلة بها؛ وكأنها منسوخة عنها.
ثالثا: اصطلاح النسخة الأم عند عياض
إذا كانت المقابلة تقتضي الوقوف عند اختلاف الروايات؛ فإن عياضا عقد بابا لـ"ضبط اختلاف الروايات والعمل في ذلك"، وأكد فيه ضرورة إتقان ذلك الضبط، ومعرفته وتمييزه، وإلا اختلطت الروايات، ووقع الاضطراب في النسخ.
فأمام تعدد النسخ ينبغي أن يتم ترتيبُها، وتُختار واحدة منها؛ تُتَّخَذُ نسخةً أصلية وعُمدة في التحقيق، وأطلق القاضي عياض على هذا الأًصل الذي يُطمأنُّ إليه؛ مصطلح الأم. قال:وأولى"أن يكون الأم على رواية مختصة، ثم ما كانت من زيادة الأخرى أُلحقتْ، أو من نقص أُعلم عليها، أو من خلاف خُرِّج في الحواشي، وأُعْلَمَ على ذلك كلّه بعلامة صاحبه من اسمه أو حرف منه للاختصار لا سيما مع كثرة الخلاف والعلامات، وإن اقتُصِر على أن تكون الرواية المُلحَقَةُ بالحمرة؛ فقد عمل بذلك كثيرٌ من الأشياخ وأهل الضبط" (6).
خاتمة:
الأصل في النسخة الأم أن تكون أقرب إلى روح المؤلف. وبعد أن تُعتَمَدَ أصلا في التحقيق؛ ما زيد عليها وما نقص يُخَرَّجُ في الحاشية قصد التوثيق والتصحيح، وتوضع رموزٌ لاختصار النسخ، وهو ما يُعرف اليوم بهوامش التحقيق.
هـوامـش:
(1) رسائل الجاحظ ( فصل من صدر كتابه في طبقات المغنين) ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون – ط1[ بيروت، دار الجيل، 1991] : 3/135 – 136
(2) أساس البلاغة: الزمخشري ( محمود بن عمر 538هـ)، تحقيق: عبد الرحمن محمود – د.ط [ بيروت، دار المعرفة، 1979]. [ مادة: نصب].
(3) المصباح المنير: الفيومي ( محمد بن علي770هـ) – د.ط [ بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، د. ت ]. [ مادة: نصب].
(4) كتاب الحيوان: أبو عثمان الجاحظ (255 هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون: 1/93
(5) معجم مصطلحات المخطوط العربي ( قاموس كوديكولوجي ): أحمد شوقي بنبين – مصطفى الطوبي – ط2 [ المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش، 2004] ( مطبوعات الخزانة الحسنية الرباط)، ص331
(6) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع: القاضي عياض، تحقيق: السيد أحمد صقر – ط1 [ القاهرة، دار التراث ]، ص 189
ملاحظة:
منبر الرابطة المحمدية للعلماء، العدد 24 ، الأربعاء 23 جمادى الأولى 1432هـ/ 27 أبريل 2011م
السورة القرآنية مدينة مُسوّرة
رؤية الزمخشري في الكشاف
عباس أرحيلة
أولا: السُورة القرآنية تحيط بقارئها وتحفظه كَسُور المدينة
السورة القرآنية طائفةٌ من القرآن أقل آياتها ثلاث. مصطلح جاء به القرآن الكريم. حين تكون واو سورة أصلية؛ يستدعي جذرها اللغوي مجال البناء؛ فتكون مأخوذة من سور المدينة؛ وهو الحائط الذي يُحيط بالمدينة ويشتمل عليها. ويؤنثُ السور لأنه بعض المدينة، فيقال سورة المدينة. والسورة: ما طال من البناء وحسُن، ومنه سميت سورة القرآن(1).
قال صاحب التحرير والتنوير: زادوا السورَ هاءَ تأنيث في آخره مراعاة لمعنى القطعة من الكلام؛ الذي يقوله القائل خطبةً أو رسالةً أو مقامةً(2). فالسورة طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسوَّر. فاشتقاقها من سُور البناء؛ لأنها تحيط بمجالها وبقارئها، وتحفظه كما يحفظ َسُورِ المدينة ما بداخلها. ففي تاج العروس أن سورة القرآن كانت تشبيها بسور المدينة؛ لكونها محيطة بآيات وأحكام إحاطة السور بالمدينة(3).
والقرآن نزل منجما، وكل سورة فيه درجةٌ إلى غيرها، مقطوعة عن سابقتها؛ شبيهة " بسورة البناء؛ أي القطعة منه؛ لأن كل بناء فإنما يُبنى قطعة بعد قطعة، وكل قطعة منها سورة، وجمع سورة القرآن سُوَر بفتح الواو، وجمع سُور البناء سُورٌ بسكونها" (4).
فالسُّوَرُ بالفتح مفتوحة على الآفاق البشرية، متفاعلة مع حركية الوجود، أما الأسوار فهي ساكنة جامدة! فما العلاقة بين سورة القرآن وسورة البناء؟
ثانيا: في أي شيء تشبه سورة القرآن سور المدينة؟
لعل جار الله الزمخشري(438هـ) كان خير مَن أبرز التشابه بين السورة القرآنية وسورة المدينة، أي حائطها في "كشافه"، فاعتبر السورة القرآنية(
طائفة من القرآن محدودة مُحوَّزَة على حيالها، كالبلد المُسوَّر، أو لأنها محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سورة المدينة على ما فيها) (5).
فالسور المحيط بالمدينة والحامي لها من كلّ آفة خارجية ؛ يضم مبانيها وشوارعها وأسواقها ومرافقها وبساتينها وسائر معالمها الحضارية.وداخل السور يتشكّل كل ذلك بأحجام مختلفة وطرق هندسية متطورة حسب الأزمنة.
والسورة القرآنية عبارة عن طائفة من الآيات تشكّلت، حسب توالي نزول الوحي، داخل سورة قرآنية، لها بداية ولها نهاية تتآلف فيها الآيات في نظم خاص، وتُعطي في صورتها النهائية شكلا هندسيا ربانيا ما تزال الجهود البشرية لم تقتحم حتى اليوم أسوارها، لتتعرف على معالمها في ضوء تعدد أغراضها ومعانيها.
إذا كانت أسوار المدن تضم مكونات معمارية متناغمة مع متطلبات الحياة البشرية، فما هو البناء المعماري لكل سورة من سور القرآن؟
رأينا الزمخشري يرى أن السورة تكون (محتوية على فنون من العلم وأجناس من الفوائد كاحتواء سورة المدينة على ما فيها).
فداخل سور كل سورة قرآنية مجموعة من الحقائق الإلهية والتوجيهات الربانية التي لا غنى عنها للتجربة البشرية على الأرض.
وبهذا تكون السورة القرآنية (كالبلد المُسوَّر)، أي أنها تكون شبيهة بمدينة لها معمارها الخاص، ولها مكوناتها التي تتعايش فيها نتيجة عوامل تتعلق بعلوم القرآن عامة. وكما يترقى سكان المدن في المباني والأشكال والمستويات؛ فإن للسورة معالمها الخاصة ولها أشكالها ومستوياتها.
وكما تكون في المدينة دور وقصور حسب مستويات أصحابها الاجتماعية؛ (فإن السور بمنزلة المنازل والمراتب، يترقى فيها القارئ: وهي أيضاً في أنفسها مترتبة: طوال وأوساط وقصار، أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين). ولأن السُورَ – كما قال البيضاوي - : " كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارئ، أولها مراتب في الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة".
وسميت السورة بذلك" لشرفها وارتفاعها كما ارتفع من الأرض سور، وقيل: سميت بذلك لأن قارئها يُشرف على ما لم يكن عنده كسور البناء"(6).
وكما يقوم على هندسة المدينة مهندسون وخبراء في مجالات العلوم، تأتي السورة القرآنية لها هندستها التي أودعها الله فيها، وجاء ترتيبها على ما هو عليه في المصحف عن توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، أو على وجه الاجتهاد من الصحابة؛ " وهم الهُدى المستقيم"، كما قال اعبد الله بن مسعود(8).
وهندسة السور في أبنيتها تحتاج من المخاطبين بها أن يكتشفوا معمارها الفني.
وجاء
البقاعي 885هـ في الدرر ليقول إن سُوَر القرآن "حكيمة المعاني متلائمة
المباني، مُنتظم أولها بآخرها كسور المدينة في صحة الانتظام وحسن الالتيام
والإحاطة بالمباني التي هي كالمعاني والتقاء الطرفين حتى صار بحيث لا يدرى أوله من
آخره سواء كانت القطعة المأتي بها تباري آية أو ما فوقها لأن آيات القرآن كسورة
يعرف من ابتدائها ختامها ويهدي إلى افتتاحها تمامها"
(9).
وكما تتعدد مرافق المدينة تبعاً لتعدد لتعدد السكان وكثرة المرافق؛ تتعدد الآيات داخل السورة القرآنية، وتتعدد عطاءاتها ومنافعها وفوائدها وفضائلها...
ثالثا: بين تقطيع القرآن سُوَراً وتقسيم المصنفات أبواباً
في أي شيء يشبه ترتيب السور القرآنية، ترتيب أبوابَ المصنفات البشرية؟
قارن الزمخشري بين توالي السور في القرآن الكريم وتعدّدها، وبين مسار تبويب الموضوعات في المصنفات. وعن طريق المقارنة بيّن فوائد ومنافع تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً. فالقرآن مجموعة سور لها نسقها الخاص. ولكل سورة اسم خاص، وقد يحمل اسمها وبدايتها إيحاءات بمضمونها، كما يحمل الكتاب عنواناً وتأتي مقدمته لتحدد وجهة صاحبه.
|
|
|
|
|
|
الفائدة الأولى:
ذكر الزمخشري الفوائد التي يجنيها القارئ من تقطيع القرآن سوراً ومن تقسيم الكتاب أبواباً.
وساقها كالآني:
الفائدة الأولى: الحاجة – النفسية والتربوية والمنهجية - التي من أجلها ( يبوب المصنفون في كل فنّ كتبَهم أبواباً موشحة الصدور بالتراجم).
الفائدة الثانية: ( أنّ الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن وأنبل وأفخم من أن يكون بياناً واحداً) (10). من هنا وضع المصنفون كتبهم في أبواب وفصول...
الفائدة الثالثة: ( أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأهز لعطفه، وأبعث على الدرس والتحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله. ومثلُه المسافر، إذا علم أنه قطع ميلاً، أو طوى فرسخاً، أو انتهى إلى رأس بريد: نَفَّسَ ذلك منه وَنَشَّطَهُ للسير).
الفائدة الرابعة: ( أن القارئ إذا حفظ السورة، اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها لها فاتحة وخاتمة، فيعظم عنده ما حفظه، ويجل في نفسه ويغتبط به. ومنه حديث أنس رضي الله عنه: " كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جَدَّ فينا ").
الفائدة الخامسة: ( أنّ التفصيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك تتلاحظ المعاني ويتجاوب النظم، إلى غير ذلك من الفوائد والمنافع).
وعن مميزات السورة القرآنية قال ابن عاشور:
" تنزل سور القرآن في أغراض مقصودة فلا غنى عن مراعاة الخصوصيات المناسبة لفواتح الكلام وخواتمه بحسب الغرض، واستيفاء الغرض المسوق له الكلام، وصحة التقسيم، ونكت الإجمال والتفصيل، وأحكام الانتقال من فن إلى آخر من فنون الغرض، ومناسبات الاستطراد والاعتراض والخروج والرجوع، وفصل الجمل ووصلها، والإيجاز والإطناب، ونحو ذلك مما يرجع إلى نكت مجموع نَظم الكلام"(11).
رابعا: نتائج وملاحظات
استخلص الزمخشري نتيجتيْن:
الأولى: (جزَّأَ القرّاء القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً).
والثانية: ( قراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل).
ومن الملاحظات التي يمكن سوقها هنا: توقف المفسرين عند فوائد تقطيع القرآن سوراً، فقد أوجز البيضاوي – مثلا – هذه الفوائد بقوله:
"والحكمة في تقطيع القرآن سوراً: إفراد الأنواع، وتلاحق الأشكال، وتجاوب النظم، وتنشيط القارئ، وتسهيل الحفظ، والترغيب فيه"(12).
ويلاحظ أن قراءة الكتاب شبيهة برحلة تحتاج إلى محطات للاستراحة، وما المحطات إلا أبواب الكتاب وفصوله.
وفي الأخير سؤالان:
الأول: هل دخلنا إلى السور القرآنية على اعتبار أنها مدن مسورة لها معمارها الفني؟
الثاني: قال الزمخشري: ( ولأمر ما أنزل الله التوراة والإنجيل والزبور وسائر ما أوحاه إلى أنبيائه على هذا المنهاج مسورة مترجمة السُّوَر). فهل اطلع الزمخشري على هذه الكتب، وهل كانت مترجمة مسورة مترجمة على عهد الزمخشري؟
هوامش:
(1) لسان العرب: [ مادة: سور].
(2) تفسير التحرير والتنوير: محمد الطاهر بن عاشور 1973 – د.ط [ الدار التونسية، تونس، د.ت]:1/85
(3) – تاج العروس: [ مادة سورة].
(4) مجاز القرآن: أبو عبيدة ( معمر بن المثنى 209هـ)، تحقيق: د. محمد فؤاد سزكين – ط1[ مكتبة الخانجي، القاهرة، 1954]:1/3 - المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ابن عطية ( عبد الحق بن غالب 546هـ)، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد - ط1[ دار الكتب العلمية، بيروت،1993]:1/57 وينظر:
(5) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: الزمخشري ( محمود بن عمر538هـ)، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض - ط1[مكتبة العبيكان، الرياض، 1989]:1/218 – 219، بيروت، 1988]: 218 – 219
(6) أنوار التنزيل وأسرار التأويل: البيضاوي ( عبد الله بن عمر 791هـ) – ط2 [مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1986]:1/35
(7) الجامع لأحكام القرآن: القرطبي ( محمد بن أحمد 671هـ) - ط1[ دار الكتب العلمية، بيروت، 1988]:1/47
(8) نفسه:1/44
(9) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور: البقاعي ( إبراهيم بن عمر 885هـ) – ط1[ 1969]:1/163
(10) أثبت ابن عاشور بيّاناً واحداً؛ أي شيئا واحدا ( بيّانا واحدا بموحدتيْن ثانيتهما مشددة. قال السيد، وكأن الكلمة يمانية:1/86 هامش).
(11) تفسير التحرير والتنوير:1/336
(12) تفسير البيضاوي:1/35
ملاحظة:
منبر الرابطة المحمدية للعلماء، عدد 22 ، الأربعاء 9 جمادى الأولى 1432هـ/ 13 أبريل 2011
تحدّيات واجهت العربية في مسارها الحضاري
عباس أرحيلة
تمهيد:
تعرّضت اللغة العربية في مسار تطورها العام لتحديات واختبارات، لم يتعرض لها غيرُها من لغات شعوب الأرض في التاريخ الإنساني.
ومن خلال مواجهتها لتلك التحديات، تحدَّدتْ قدراتها على تبليغ الوحي، والتفاعل مع الوجود المادي والروحي للإنسان؛ فاستطاعت أن تكون لغة عقيدة وعلم وحضارة.
التَّحَدِّي الأول: اصطفاؤُها لتحمل آخر رسالات السماء
أول تَحَدٍّ للغة العربية في وجودها وتاريخها؛ هو أن تكون لسان الوحي وتقوم دليلا على أن الموحَى به من رب العِزَّة، وأنه آخر رسالات السماء إلى أهل الأرض. وبذلك نيط إعجاز القرآن منذ نزول الوحي إلى نهاية التجربة البشرية على الأرض.
فحين بلغت هذه اللغة أوجَ عنفوانها عند أمة تميزت بين شعوب الأرض بالقدرة على الإفصاح عن مكنون النفس في الوجود؛ تعرَّضتْ لامتحان تَحَمُّلِ الوحي!
وكان التحدّي للسان العربي أن يتنزَّلَ كلام رب العالمين في صورة نصٍّ لُغويٍّ يحملُ منهجاً إلهيا، خطاباً موجّهاً لكافة شعوب الأرض؛ خطاباً يخترق الزمان والمكان، ويستجيب لكل ما يجدّ من ظواهر وتحولات في دنيا البشر. وبنزول القرآن بالعربية تحوَّلتْ العربية لتصبح لغة فكر وحضارة ...
التّحَدِّي الثاني: أن تحل محل اللغات القديمة في وقت وجيز
حين ظهرتْ العربية على مسرح التاريخ، توارت اللغات القديمة في متاحف التاريخ في وقت وجيز. ثم عايشت العربية في مسارها الحضاري أكبر انصهار بين الأجناس والثقافات في تاريخ الشعوب، وعانت، أثناء ذلك الانصهار، من أشكال الغُربة والعجمة واللحن، لكنها صمَدتْ في وجه التحوّلات؛ بفضل عقول رافقت تلك التحولات بإيمان وإخلاص؛ فسهرت على تنظيم رحلتها في الوجود جمعاً وتنظيماً وتقويماُ وتقنيناً؛ إلى أن صارتْ لغة العلم بدون منازع في الأصقاع التي عرفتها حضارة الإسلام.
التحدّي الثالث: أن تكون قناة للتواصل بين الشعوب والحضارات
لقد تحمّلتْ العربية، عن طريق الترجمة، ما تراكم من المعارف الإنسانية التي كانت تتطلّع إليها الدولة الإسلامية لاستكمال نهضتها. فتمّ نقل تلك المعارف؛ التي كانت تدعو الحاجة إليها، وتمت قراءتها وشرحها واختصارها والتعليق عليها، في ضوء ثوابتها وقناعاتها؛ نتيجة هضمها والتفاعل معها، وتوجيهها وجهة تستجيب للضوابط الحضارية للأمة الإسلامية.
التحدي الرابع: سيادة اللهجات وعودة الفارسية
بدأت معاناة العربية في جزيرة العرب وخارجها منذ أن أصبحت لسان الوحي، ومع بلوغ العربية أقاصي البلدان؛ بدأت السليقة العربية تخفت وتتوانى، وعجز أهل اللسان العربي عن مواكبة المعاناة اليومية . ومع مطالع القرن الهجري الرابع سادت اللهجات في العالم العربي الإسلامي، وأصبحت العربية تُتعلَّمُ تعلما، تعيش في معاقل العلم الذي أصبح بدوره يُؤخذ من الصحف، بعد أن كان يؤخذ من أفواه الرجال. وبالرغم من ظهور الفارسية من جديد في القرن الرابع؛ ظلت العربية لغة ثقافة وعلم محافظة على توهجها وإشعاعها.
التحدي الخامس: صمودها أم الهجمتيْن: المُغولية والصليبية
بعد الهجمتين المغولية والصليبية على معاقل الثقافة الإسلامية، دُمّرتْ حواضر وأُحرقت خزائن الكتب، وسادت اللغة التركية في بعض المعاقل.
التحدّي السادس: مواجهة العربية لعهود الاستعمار والإبادة
سعت لغة المستعمرين في ربوع العالم العربي أن تتقاسم مع اللهجات المحلية مكان العربية وتحل محلها. ودخلت العربية في صدام مع لغات المستعمر، وأصبحت تختنق بفعل اللهجات الممزوجة باللغات الأوربية.
وتعرض القرآن الكريم لأنواع من الترجمات وبجميع لغات الأرض تقريبا، وامتُحنت بتعدد مصطلحات العلوم والمعارف الحديثة، وأهلها يوجدون خارج المختبرات، وامتُحنتْ بدعوات التجديد، وخاضت غمار الترجمات من بعض اللغات، وواجهت أشكالا من الهجوم، والتهميش والعداء من أبنائها.
واليوم وإن تقاعس أهل العربية عن دورهم، وأصبحوا من المستضعفين في الأرض؛ فإن العربية لم تفقد حيويتها، ولن يخبو وَهَجها؛ فهي محفوظة بحفظ القرآن، وستعيش على الرغم من الأدواء والأعداء، والأهواء والأنواء...
ملاحظة:
منبر الرابطة المحمدية للعلماء، عدد 20 ، الأربعاء 25 ربيع الثاني 1432هـ/ 30 مارس 2011
الأكفان إذ تغني
د. أسماعيل هموني
أكاديمية كلميم
الناس من حولي ذاهلون
في يم يهيمون
لا هول القيامة يرشدهم
ولا صخب البحار يشدهم
إلى زينة الحوريات.
رأيت في عيونهم خوفا
يشع منه خوف
كأنه بحر ظلمات
من فوقه لعنات:
يهربون؛
يفزعون؛
يسقطون؛
تتناثر أشلاؤهم على الطرقات
يموتون وحيدين؛
يحيون وحيدين؛
ينادون من مكان سحيق؛
هل رأيتم تاريخ أمجادكم؟
هل مشيتم على حافة الحرف
حين كنتم صغارا؟
كان الفراغ وجيب الوقت
الذي يحط على رؤوس الشجر؟
والعشب واقف لا يدري
أين الممر.
في الصباح قادتهم الطريق
إلى الغابة المجاورة
وجدوا أكفانهم ترقص
نشوى برحيلهم عنها،
الأكفان إذ تغني
بنبث الضوء في
عيون الماء؛
وتنتشي الجداول بالعام الجديد
كأن المشي على كف البصر
تذكرة للمكفوفين الذين
يرسلون أرواحهم عبر
أصابع تشد على عكازات
من سعف اليقين.
في المساء يعودون عرايا
من الحمإ المسنون، يحلمون
بنوم عميق على سرير الغواية
يفزعهم طير، يعبر من تحت إبطهم
المشقوق ليلا، المرتوق نهارا.
لا ينامون إلى حين انهيار القوس
الذي يكون تارة قمرا، وشمسا
حرة لا تغادر أنينا، ولا شجا
إلا أحيته جهارا.
يغنون على قيتارة هرمة
يضوع منها لحن قديم
وتشدو حديقة على إيقاعهم
وترنو بعيون مائلة على
شجوهم، ويحج إليهم جمع
نثير من الأشجار، والأنوار،
وقليل من الحجر. يعودون
سالمين إلى مخافرهم، ترهقهم
علة، ويزيدهم الحديد سورة.
لا يدرون أين ينامون
على أسطح الحديقة أم على
نتوءات اللغة.
قول فصل يأتيهم من الجدران
ترسل أعينها الجدران
إلى جمرك الحدود:
أن افسحوا لهم الطريق
واغلقوا خياشم الأرض
عن غبارهم المركوم
في عيون البروق؛
ادخلوهم إلى جنات غيض
ماؤها، واتحفها اليبس.
هناك الصوت الجلل الذي
يرقد بين البوح وبين الملل
يراه السادرون في الحلم
شموخا لا يمل.
هناك الصوت الحق الذي
يقضي بالسفر إلى نشوة
العقل.
يغدون؛
يروحون؛
ولا يدرون أن الأكفان
تمر في الطرقات،
تنتشي،
تغني؛
وتملك الوجود في
دجى المحن؛
الأكفان، أو الألحان
تمر سريعة في غابات المطر
ترش المسك وأطايب القول
بين جوانح الشجن،
ترهن الوصول إلى مطارات العمر
بنحيب القمر، أو بسجالات الوقت
ريثما يرقد الحرف، مخمورا، في لهيب
الصبوات؛
أو يرحل، محمولا، على كف الطعنات.
يفزعون؛
يفرحون
ولا يرون غبشا على قميص يوسف
يختصمون عند ناديهم
يختلقون الروايات.
تفضحهم النهايات .
يغويهم المطر ؛
ينشرهم كالجراد على الساحات
يمررهم عبر الآفاق فرادى،
ينشرهم كالطير صافات.
يستقبلهم البحر ؛
يلتهمهم الحوت ؛
يضيعون في الطين ؛
تمرقهم النار ، ولا يستهويها المزيد
كأنهم أعجاز نخل نازفة .
اليوم، تغني الأكفان
تموج الألحان بين روح الماء ، وسهو الهواء .
كأن الغناء نشيد البيداء
إذ ترقص على أبوابها النعرات ،
في البيد تشدو الريح القصية
على حذاء الموال ؛ وتنعق البوم
على الخرائب البعيدة
حين تسقط في زوائد السؤال .
يعودون إلى المطر مسرعين
ولا يبصرون سوى أقدام القمر
يلحقون به، ويجدون منازلهم
قدت من دبر ،
فقدوا براءتهم بعد أن
خانهم الغيم ؛
مال بهم الطين
جال في خلدهم الضيم
عادوا من حيث أتوا
باتوا يتامى لا وصي لهم
لعنتهم الأسفار ،
وضعتهم الأقدار على فوهة بركان
نجوا من الموت مرتين؛
عادوا إلى الحياة بطوق الحياة
يميلون على بعضهم ؛
يزاحمون بالمناكب أين يكونون
الموت يلاحقهم في المضاجع ؛
في الفلوات ؛ في المساءات .
يفرون إلى مصائر النجوى
والقول الخفي حيث الممشى
إلى نعيم السكون .
رأيت ظلالهم تعبر وجه
المقابر ، وتحث النائمين على المشي إلى سوق النميمة ؛
تعبر ظلالهم نخيل الباب
تقطف من تمرها الشهي
روح الأجداد ،وحديث
الليالي العتيقة .
يشهرون ألسنتهم على أرصفة الطريق،
لا يسمعهم المارون ؛
يخفون أوجههم بأقنعة من خوف ،
البعض يعرفهم ، والبعض ينكرهم
بقوا حيارى في سباتهم؛
ينبح كلبهم على صفيح أحلامهم ،
يحرسها من الضياع ،يضرب على خدرهم
مزيدا من المحال؛ ويسبح طينهم في
القليل من الخيال ؛يربأ الكهف عن النحيب ؛
وتسطع الشمس في خفايا الارتياب .
يسرعون إلى إخفاء الموت في
عيون اللوز ، في بواكي الشعر ؛
في تأوهات المشيب .
يلعبون بأقمارهم ، كما تلعب بهم أقدارهم
الأقمار تنتحب فيما الأقدار تنتصب
وهم عن كل ذلك ذاهلون ؛
أيهم الأسمى في اللعب ؟
لا يريدون الاقتراب من سدرة المنتهى
يخافون الاحتراق ، إلا الفراش
يقطع المسافات بين الموت ، وبين
الرقص نشوانا ،
أيهم الأقوى عند الموت:
فراشة تزهر في اللهيب أم
أكفان تمج الحريق باللسان ؟
ليس من شاهد سوى الأثر
الذي لا يرى .
يهرعون إلى الظلال حيث
الموت قهرا بين التلال ،
يرون صورهم تسوقها الأشباح
إلى مشرق الشمس .
يموجون على حد الفضول
ينزلون بعيدا عن المروج المضيئة
يلازمون صفاء النيران ،
وينشدون القيام بالرحيل
إلى جناح الخضرة حيث
الموت بهاء في خمائل المجون
يعزفون ؛
يرقصون ؛
يذودون عن أحلامهم المتبقية ؛
يحاصرهم النوم في كل الأمكنة
بعيدين عن تراجيع الصدى ؛
يجيئون بياتا ؛
يجدون أكفائهم ترصد لهم
الطريق ، والسؤال، وتشيد الأحبة ،
وتغزل النور من عيون البرق ؛
وأخاديد الذهول ؛
كأنهم هم أو أكفانهم حين تكونهم .
كلميم في 16/05/2011
كيف نتعامل علميّاً وفنيّاً مع آية قرآنية في مخطوط ؟
عباس أرحيلة
تمهيد:
يطرح أهل التحقيق، قديما وحديثا، مسألة إصلاح ما في المخطوط من خطأ – حسب ما يراه المُحقق – . هل يَتِمُّ إصلاح الخطأ في متن الكتاب، أم يُترك على حاله، ويُنبَّهُ على صوابه في الهامش؟ وما حدود تدخل المحقق، وحدود الأمانة العلمية في ذلك؟
تُرى كيف يكون تدخُّل المحقق حين يتعلق الأمر بآية قرآنية؟ وكيف يتم التعامل معها؟
أولا: التعامل العلمي مع الآية القرآنية
1 - ينبغي أن نُراعيَ قيمة النسخة المعتمدة أصلا في التحقيق، وطبيعتَها حين تُتَّخَذُ "أُمّاً" أي أصلا في اصطلاحات أهل التحقيق. وهذا يدعونا ألا ننخدع بما نعتمده أصلا في التحقيق؛" فإن الفكر يذهب، والقلب يسهو، والنظر يزيغ، والقلم يَطغى"، كما قال القاضي عياض (544هـ) (1).
2 - البَحْثُ عن مصدر الخطأ أثناء إجراء المقابلة بين النسخ؛ فما كان من زيادة أو نقص أو تصحيف، أو تحريف؛ يتم إخضاعه لمقتضيات المنهج المتبع في التحقيق، من حيث الإلحاق أو التنبيه عليه في الهوامش.
3 - يجب أن نتحقق من صحة الآية كتابةً ورسماً حسب وضعها القرائي، فقد تكون النسخة النسخة الأصلية على رواية مختصة بقراءة ما.
4 - علينا أن نُفكر في وجوه القراءات المعتبرة، وأن نُراعيَ القراءات المتعددة، والشاذة منها، فلا حق بالحذف أو الزيادة خارج مقتضيات العلم بالقراءات.
ثانيا: الطريقة الأولى: تُصَحَّحُ الآية في المتن
1 - تُصَحَّحُ الآية في المتن مع الإشارة إلى الخطأ في الهامش؛ إذا كان الخطأ مقطوعاً به في رسم الآية وضبطها، ووقع في المخطوط مغلوطا أو ملحونا.
2 - وبعد تقليب النظر في الاحتمالات الواردة في الأصول حتى لا تكون لها علاقة بقراءة من القراءات؛ ينبغي أن لا نُبقيَ آية ً قرآنيةً مُحرَّفةً في المتن أبداً؛ إذ لا أمانة علمية في أداء النص القرآني على حالته من الخطأ.
3 - وإذا تقرر في تجربة حركة التأليف أنه لا يُصلَح الكتابُ بغير إذن صاحبه، فإن ذلك يكون " في غير القرآن"(2).
4 - في تجربة عبد السلام هارون ذكر أنه كشف أثناء تحقيقه لـ" كتاب الحيوان" عن تحريفات كثيرة، قال إنه لم يستطع إلا أن يردَّها إلى أصلها، ومن ذلك:
- في الجزء الرابع ص7: "فلما أتوا على وادي النمل"، وهي: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا﴾.
- وفي الجزء الخامس ص 32: "إني مبتليكم بنهر"، وهي ﴿إنَّ اللََه مُبْتَلِيكُمْ بنَهَرٍ﴾.
- وفي ص544:" ثم اسلكي سبل ربك"، وإنما هي ﴿ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ﴾.
وفي مخطوطات كتاب سيبويه، ونُسخه المخطوطة في ثلاث طبعات، لاحظ وُرُودَ الآية الكريمة هكذا: "والذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكراتِ والحافظينَ فُروجَهُم والحافِظاتِ" وصوبها:﴿ والحافظينَ فُروجَهُم والحافِظاتِ والذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً والذَّاكراتِ ﴾ [ الأحزاب:35](3).
الثانية: لا تُصَحُّحُ الآية في المتن ثالثا: الطريقة
1 - لا يجوز التصرف في الآية داخل المتن، إذا كان القصد من إيرادها التدليل على إحدى القراءات؛ ولذا تبقى الآية كما أوردها صاحب الكتاب دون تغيير، ويُشار في الهامش إلى القراءة المشهورة. وعلى هذا النهج حافظ العلماء الأوائل على أصول الروايات. ويكون المعتمد في هذا كله على كتب القراءات (كتب القراءات السبع، ثم العشر ثم الأربع عشرة، ثم كتب القراءات الشاذة).
وذكر القاضي عياض أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقُلوا الرواية كما وصلت إليهم وسمعوها ولا يُغيّرونها في كتبهم، حتى في أحرُف من القرآن؛ استمرت الروايةُ فيها في الكتب على خلاف التلاوة المُجمع عليها، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ(4).
وذَكَّر الدكتور مولاي الحسن العلوي بمثاليْن في كتاب "فتح الباري" لابن حجر، وتولّى الباحث سمير بلعشية استخراجهما وعرضهما من المصدر المذكور:
المثال الأول: حول قوله تعالى: ﴿يَأَهْلَ الكِتَابِ لاَ تََْغُْلوا فِي دِينِكُمْ﴾، إلى ﴿وَكِيلًا﴾ [ النساء:71]، علّق القاضي عياض بقوله:" وقع في رواية الأصيلي(5): ﴿ قل يا أهل الكتاب﴾ ولغيره بحذف ﴿قل﴾ وهو الصواب.
وعلَّق ابن حجر:" قلتُ: هذا هو الصواب في هذه الآية التي هي من سورة النساء، لكن قد ثبت ﴿قل﴾ في الآية الأخرى في سورة المائدة: ﴿ قل يَأَهْلَ الكِتَابِ لاَ تََْغُْلوا فِي دِينِكُمْ غير الحق﴾ [ المائدة:77]، ولكن مراد المصنف آية سورة النساء بدليل إيراده لتفسير بعض ما وقع فيها؛ فالاعتراض متجه (6).
فكل من عياض وابن حجر يُسجِّل الخطأ على رواية الأصيلي، ويُنبِّه عليه. ولو كان هذان العالمان بصدد تحقيق رواية الأصيلي – على طريقة أهل التحقيق في زماننا -؛ لأثْبَتَا الرواية الصحيحة في المتن، ونبَّها على الخطأ في الهامش.
المثال الثاني: من كتاب التفسير، باب ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِِينَ أَعْمَالًا ﴾ [ الكهف:103]. نجد في هذا الحديث مُصْعَباً يسألُ أباه سعْدَ بن أبي وقّاص هل المراد بالأخسرين أعمالا الحَروْرية (أي الخوارج )، فنفى ذلك. وورد في الحديث:" والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعْد يُسميهم الفاسقين".
وتعليقا على قول سَعْد هذا، قال ابن حجر:
" وفي رواية النَّسائي: " والحَرَوْرِيَّة الذين قال الله ﴿ويَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [ البقرة: 27]، إلى ﴿الفاسقين﴾. قال يزيد: هكذا حفِظْتُ.
قلتُ: وهو غلط منه أو مِمَّنْ حَفِظَ عنه. وكذا وقع عند ابن مُرْدُويه (7) " أولئك هم الفاسقون"، والصواب ﴿الخاسرون﴾، ووقع على الصواب أيضا في رواية الحاكم (8).
قوله:" وكان سعْد يسميهم الفاسقين"، لعل السبب في الغلط المذكور، وفي رواية للحاكم " الخوارج قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم"، وهذه الآية هي التي آخرها "الفاسقين". فلعل الاختصار اقتضى ذلك الغلط. وكَأنَّ سعْداً ذكر الآيتيْن معاً التي في البقرة والتي في الصف" (9).
رابعا: إذا سقَطَ حرف أو كلمة من آية في المتن
1 - ذهب عبد السلام هارون أنه إذا سقط من الشاهد القرآني بعض حروف أو بعض كلمات، يُحتفظ بها كما أوردها صاحب المتن ولا يجوز إكمالها.
2 - ورأى أن إكمال المحقق للآية في صلب النسخة بذكر الحرف أو الكلمة التي تركها المؤلف يتنافى مع منهج التحقيق؛ بل عليه أن يترك الأمر كما جاء عند المؤلف، مع ضرورة الإشارة إلى ذلك في الهامش؛ إذ التحقيق عنده: " أمانة الأداء التي تقتضيها أمانة التاريخ؛ فإن متن الكتاب حكم على المؤلف، وحكم على عصره وبيئته، وهي اعتبارات تاريخية لها حرمتها، كما أن ذلك الضرب من التصرف عدوان على حق المؤلف الذي له وحده حق التبديل والتغيير (10).
3 - وأشار إلى صنيع الشافعي في " الرسالة" الذي كثيرا ما يحذف حرف العطف عند ذكر الآيات للاستدلال. ونجد أحمد شاكر في تحقيقه للرسالة يذكر الآية في المتن بدون حرف عطف، وينبّهِ على ذلك في الهامش، على سبيل المثال.
في الفقرة: 974 نجد في المتن الآية ﴿ قاتلوا المشركون كاقَّةً ... ﴾، والتلاوة: ﴿وقاتلوا﴾.
وفي الفقرة: 975، الآية: ﴿ قاتِلُواْ المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ... ﴾. والتلاوة: ﴿فاقْتُلُواْ﴾ (11).
خامسا: الجانب الفني في إخراج الآية القرآنية
1 – تنقل الآية من أهم مصحف إلكتروني تتوافر فيه المواصفات العلمية المقررة والمطلوبة.
2 – إذا تعذَّر ذلك نلتزم برسم المصحف العثماني – ما أمكننا ذلك - .
3 - إذا تعذَّر ذلك يتم اختيار أجمل خط، ويُعنى عناية خاصة بضبط الآيات ضبطا تاما؛ بحيث يُشكَلَ ما يُشكل وما لا يُشكل، وذلك تبعا لما تقرر في المصحف.
4 – توضع الشواهد القرآنية بين قوسيْن مُزَهَّرَيْنِ: اسم السورة، ورقم الآية أو أرقام الآيات في المصحف ( ويفضل أن تُكتب داخل المتن بعد المُزَهَّرَيِْْن)، ولاحظ الباحث سمير بلعشية أنه إذا روعيَ العد المناسب للرواية يكون أفضل؛ كأن يكون العد المدني الأخير بصدد قراءة نافع مثلا.
5 – إذا كان السياق يقتضي تفسير ما يناسب المقام في الآية، يُحال للمزيد منه إلى تفسير معيّن يستجيب للمطلوب بشكل مباشر ( العمدة في هذا: كتب التفسير).
6 – إذا كان السياق يقتضي وضع تعليق يُحدِّد نوع القراءة، أَهِيَ من المتواتر أم من غيره؛ يُشار إلى ذلك في الهامش بالقدر المناسب ( العمدة في ذلك: كتب القراءات).
7 – في فهرس الآيات القرآنية - ضمن الفهارس في نهاية الكتاب – تُرتَّبُ السور حسب ورودها في القرآن الكريم، وتُرتب الآيات حسب ورودها في السور: اسم السورة، رقمها في المصحف، رقم الصفحة التي وردت فيها.
هوامش:
(1) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، تحقيق: عياض ( عياض بن موسى 544هـ)، تحقيق: السيد أحمد صقر – ط2 [ دار التراث، القاهرة، 1978]، ص160
(2) المعيد في أدب المفيد والمستفيد: العَلْمَوِيّ (عبد الباسط بن موسى ت 981هـ)، تحقيق: د. مروان العطية – ط1[ مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2004]، ص253
(3) تحقيق النصوص ونشرها: عبد السلام هارون (ت1988م) – ط5[ مكتبة السنة، القاهرة 1994]، ص48
(4) الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، ص 185 - 186
(5) الأصيلي: عبد الله بن إبراهيم، نسبة إلى أصيلة بالمغرب، عالم بالحديث والفقه، عُدَّ من علماء الأندلس وحُفاظ مذهب مالك، كتب عن أبي زيد المَرْوزي"صحيح البخاري"، وقرأ عليه الناس كتاب البخاري، ولي قضاء سرقسطة، مات بقرطبة سنة 392هـ: معجم البلدان: ياقوت الحموي (626هـ) - ط8[ دار صادر، بيروت،2010]:1/212 – 213 - سير أعلام النبلاء: الذهبي

















